نورالدين علي بن أحمد السمهودي
57
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
يسير حتى يأتي المدينة ، ولا يؤذن له فيها ، فيقول : هذه قرية ذاك الرجل ، ثم يسير حتى يأتي الشام فيهلكه الله عز وجل عند عقبة أفيق » وروى أبو يعلى حديث الجساسة المشهور في الصحيح بإسنادين أحدهما رجاله رجال الصحيح وزاد فيه « هو المسيح تطوى له الأرض في أربعين يوما ، إلا ما كان من طيبة ، قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : وطيبة المدينة ، ما باب من أبوابها إلا وملك مصلت سيفه يمنعه ، وبمكة مثل ذلك » وفي البخاري والترمذي حديث « المدينة يأتيها الدجال فيجد الملائكة يحرسونها فلا يقربها الدجال ولا الطاعون إن شاء الله تعالى » . وروى أحمد ورجاله ثقات وابن شبة برجال الصحيح حديث « المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة ، على كل نقب منها ملك لا يدخلها الدجال ولا الطاعون » ، وروى أحمد مرسلا وابنه متصلا وكذا الطبراني ورجاله ثقات حديث « ذكر لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم رجل خرج من بعض الأرياف ، حتى إذا كان قريبا من المدينة ببعض الطريق أصابه الوباء ؛ ففزع الناس ؛ فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : إني لأرجو أن لا يطلع علينا نقابها » يعني : المدينة ؛ ونقابها وأنقابها : طرقها وفجاجها ؛ واحدها نقب ، بكسر النون . وقوله في الرواية المتقدمة « فلا يقربها الدجال ولا الطاعون » فيقتضي جواز دخول الطاعون المدينة ، ويرده الجزم في سائر الأحاديث ، والصواب حفظها منه كما هو المشاهد . وقد استشكل قرن الدجال بالطاعون مع أن الطاعون شهادة ورحمة فكيف يتمدح بعدمه ؟ والجواب من وجوه : أحدها : أن كونه كذلك ليس لذاته ، وإنما المراد ترتب ذلك عليه ، وقد ثبت تفسيره من رواية أحمد « بوخز أعدائكم من الجن » ؛ فيكون الإشارة بذلك إلى أن كفار الجن وشياطينهم ممنوعون من الطعن ، كما أن الدجال ممنوع منها ، ألا ترى أن قتل الكافر المسلم شهادة ، ولو ثبت لمحل أن الكفار لا تسلط عليه لحاز بذلك غاية الشرف ، ثانيها : أن أسباب الرحمة لم تنحصر في الطاعون ، وقد عوضهم صلّى اللّه عليه وسلّم عنه الحمى حيث اختارها عندما عرضا عليه كما تقدم ، وهي مطهرة للمؤمن وحظه من النار ، والطاعون يأتي في بعض الأعوام ، والحمى تتكرر في كل حين ، فيتعادلان ، وفيه نظر ؛ لأن تكثير أسباب الرحمة مطلوب ، ولأنه لا يدفع إشكال التمدح بعدمه ، ثالثها : أنه وإن اشتمل